أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
258
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الرابع : أنه منصوب على المدح . : أنه صفة ل « أَحْياءٌ » ، وهذا يختصّ بقراءة ابن أبي عبلة . و « بِما » يتعلّق ب « فَرِحِينَ » . قوله : مِنْ فَضْلِهِ في « مِنْ » وجهان : أحدهما : أنّ معناها السببيّة أي : بسبب فضله أي : الذي آتاهم اللّه متسبّب عن فضله . الثاني : أنها لابتداء الغاية ، وعلى هذين الوجهين تتعلق بآتاهم . الثالث : أنها للتبعيض أي : بعض فضله ، وعلى هذا فتتعلق بمحذوف على أنها حال من الضمير العائد على الموصول ، ولكنه حذف والتقدير : بما آتاهموه كائنا من فضله . قوله : وَيَسْتَبْشِرُونَ فيه أربعة أوجه : أحدها : أن يكون من باب عطف الفعل على الاسم لكون الفعل في تأويله ، فيكون عطفا على « فَرِحِينَ » كأنه قيل : فرحين ومستبشرين ، ونظّروه بقوله تعالى : فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ « 1 » . والثاني : أنه أيضا يكون من باب عطف الفعل على الاسم ، لكن لأنّ الاسم في تأويل الفعل . قال أبو البقاء : « هو معطوف على « فَرِحِينَ » ؛ لأنّ اسم الفاعل هنا يشبه الفعل المضارع » يعني أنّ « فَرِحِينَ » بمنزلة « يفرحون » ، وكأنه جعله من باب قوله : إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا « 2 » ، والتقدير الأول أولى ، لأنّ الاسم وهو « فَرِحِينَ » لا ضرورة بنا إلى أن نجعله في محلّ فعل مضارع حتى نتأوّل الاسم به ، والفعل فرع عليه ، فينبغي أن يردّ إليه ، وإنما فعلنا ذلك في الآية لأنّ أل الموصولة بمعنى الذي ، و « الذي » لا توصل إلا بجملة أو شبيهها ، وذلك الشّبه في الحقيقة يتأوّل بجملة . الثالث : أن يكون مستأنفا ، والواو للعطف عطفت فعلية على اسمية . الرابع : أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف أي : وهم يستبشرون ، وحينئذ يجوز وجهان : أحدهما : أن تكون الجملة حالية من الضمير المستكنّ في « فَرِحِينَ » أو من العائد المحذوف من « آتاهُمُ » ، وإنما احتجنا إلى تقدير مبتدإ عند جعلنا إياها حالا لأنّ المضارع المثبت لا يجوز اقترانه بواو الحال لما تقدّم غير مرة . والثاني من هذين الوجهين : أن تكون استئنافية عطفت جملة اسمية على مثلها . واستفعل هنا ليست للطلب ، بل تكون بمعنى المجرد نحو : « استغنى اللّه ، واستمجد المرخ والعفار » بمعنى غني ومجد . وقد سمع « بشر الرجل » بكسر العين فيكون استبشر بمعناه ، قاله ابن عطية . ويجوز أن يكون مطاوع أبشر نحو : « أكأنه فاستكان ، وأراحه فاستراح ، وأشلاه فاستشلى ، وأحكمه فاستحكم » وهو كثير . وجعله الشيخ « 3 » أظهر من حيث إنّ المطاوعة تدل على الانفعال عن الغير ، فحصلت لهم البشرى بإبشار اللّه تعالى ، وهذا لا يلزم إذا كان بمعنى المجرد .
--> ( 1 ) سورة الملك ، آية ( 19 ) . ( 2 ) سورة الحديد ، آية ( 18 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط 3 / 115 .